تستعد الحكومة المصرية لإقرار حزمة واسعة من خفض الإنفاق وترشيد الاستهلاك، في ظل الضغوط التي تفرضها الزيادة الحادة في أسعار الطاقة العالمية على المالية العامة، وسط دراسة رفع أسعار الغاز الطبيعي للمصانع، إلى جانب خفض إمدادات الوقود المخصصة لمصانع الأسمدة بنسبة 20%، وفق ما كشفه محمد إبراهيم ومحمود سالم وهجر عطية.


وكشفت صحيفة «المنصة»، في تقرير أن وزارتي المالية والتخطيط أعدّتا حزمة الإجراءات التقشفية تمهيدًا لعرضها على مجلس الوزراء خلال اجتماعه هذا الأسبوع، وتشمل أيضًا تعزيز المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية تحسبًا لأي تداعيات إقليمية محتملة.


وأدت تخفيضات إمدادات الغاز بالفعل إلى إرباك الإنتاج المحلي، إذ كشف عضو بمجلس إدارة إحدى شركات الأسمدة المملوكة للدولة أن الطاقة التشغيلية لأحد مصانع الشركة الثلاثة تراجعت إلى أقل من 40%، نتيجة انخفاض كميات الغاز الطبيعي المتاحة.

 


ارتفاع أسعار النفط والغاز يضغط على الموازنة ويدفع الحكومة إلى التقشف


تأتي هذه التحركات وسط موجة متصاعدة من ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، تسارعت وتيرتها خلال سبتمبر، بفعل تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية والاضطرابات المصاحبة لها في تدفقات النفط والغاز. وتوقع البنك الدولي، في أواخر أكتوبر، ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية بنسبة 23% خلال العام الجاري.


وقال مسؤول بوزارة المالية، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز عالميًا منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، والذي دفع سعر برميل النفط الخام إلى تجاوز 90 دولارًا، فرض ضغوطًا كبيرة على الموازنة العامة للدولة، التي اعتمدت سعرًا تقديريًا للنفط يبلغ 75 دولارًا للبرميل.


ودفعت هذه الصدمات المالية الحكومة إلى إعادة فرض إجراءات التقشف وضوابط الاستهلاك للحد من الأعباء على الموازنة، بعدما خفّضت بالفعل دعم الوقود خلال العام المالي الجاري إلى نحو 15.8 مليار جنيه، مقابل 75 مليار جنيه في العام السابق.


وأضاف المسؤول أن خطة ترشيد الإنفاق ستشمل خفض مخصصات الإعلانات، وتقليص رحلات العمل الحكومية ومخصصات الوقود لأسطول السيارات، إلى جانب تجميد أو إرجاء مشروعات الإنشاءات الحكومية غير الضرورية، التي لا تحظى بأولوية، مع إعادة توجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية للمواطنين.


وتستهدف الخطة أيضًا إعادة توجيه الموارد المحلية للحد من الاعتماد على الاقتراض الخارجي مرتفع التكلفة وأدوات الدين ذات الفائدة المرتفعة، بالتوازي مع تسريع برنامج الخصخصة الحكومي وتوسيع مشاركة القطاع الخاص لتخفيف الضغوط على الموازنة.


وأكد المسؤول أن الحكومة تسعى إلى تقليص الإنفاق العام في مواجهة الزيادات المتتالية في تكلفة استيراد الوقود، مشيرًا إلى أن الأسابيع المقبلة ستشهد مراجعة شاملة لبنود الموازنة، مع إعطاء الأولوية للإنفاق الذي لا يمكن الاستغناء عنه في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة الأساسية.


ولا تقتصر الضغوط على أسعار النفط الخام، إذ يفاقم تراجع قيمة الجنيه فاتورة استيراد المحروقات. وتجاوز سعر الدولار مؤخرًا مستوى 56 جنيهًا، مسجلًا ارتفاعًا قياسيًا، مقارنة بسعر الصرف البالغ 47 جنيهًا الذي بُنيت عليه تقديرات الموازنة، وبالسعر المرجعي البالغ 49 جنيهًا الذي اعتمدته الهيئة المصرية العامة للبترول في عمليات التحوط.

 


 خفض إمدادات الغاز يهدد إنتاج الأسمدة ويضغط على أسهم الشركات


تتزايد آثار نقص إمدادات الغاز داخل القطاع الصناعي، إذ قال عضو مجلس إدارة شركة الأسمدة المملوكة للدولة، الذي طلب بدوره عدم الكشف عن هويته، إن الشركة تشغّل مصنعين بكامل طاقتهما الإنتاجية، بينما يعمل المصنع الثالث بطاقة تقل عن 40%، نتيجة خفض إمدادات الغاز المستخدم مادةً خامًا في الإنتاج.


وأوضح المصدر أن تسعير الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة يخضع لمعادلة متغيرة ترتبط بالأسعار العالمية لليوريا. ومع تداول اليوريا حاليًا بين 400 و500 دولار للطن المتري، يبلغ سعر إمدادات الغاز نحو 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مع ارتفاعه كلما زادت الأسعار العالمية لليوريا.


وأعلنت شركتا الصناعات الكيماوية المصرية «كيما» ومصر لإنتاج الأسمدة «موبكو»، الثلاثاء، خفض إمدادات الغاز الطبيعي بنسبة 20%، ما دفع معظم أسهم شركات الكيماويات والأسمدة المدرجة في البورصة إلى التراجع خلال جلسة التداول.


وانخفض سهم أبو قير للأسمدة بنسبة 3.76%، وتراجع سهم «كيما» بنسبة 1.92%، بينما هبط سهم سيدي كرير للبتروكيماويات بنسبة 0.82%. وعلى الجانب الآخر، خالف سهم الصناعات الكيماوية المصرية الاتجاه العام، محققًا ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.15%.

 


 نقص الأسمدة ينذر بزيادة أسعار الغذاء والتضخم خلال نوفمبر


ومن المرجح أن تمتد تداعيات نقص المواد الخام إلى أسواق المنتجات الغذائية، إذ توقع مصطفى أمين، المحلل المالي وعضو الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار، أن تخفض مصانع الأسمدة التي لا تمتلك مخزونات كافية إنتاجها، ما سيدفع تكاليف المنتجات الزراعية إلى الارتفاع، ويرفع معدل التضخم خلال نوفمبر بنحو 0.25%.


وأشار أمين إلى أن التضخم في مصر لا يزال، وفق تقديره، محميًا من الارتفاعات الحادة في الأسعار خلال الفترة الحالية، بفضل المخزونات الاحتياطية من السلع الغذائية الأساسية، التي تضمن استمرار المعروض في الأسواق وتحافظ على استقرار الأسعار على المدى القريب.


لكنه حذر من أن ارتفاع أسعار السلع الزراعية سيؤثر بصورة أكبر على شركات الصناعات الغذائية، التي تتحمل الجزء الأكبر من زيادة تكاليف مدخلات الإنتاج، قبل انتقال هذه الزيادات تدريجيًا إلى أسعار المنتجات على أرفف المتاجر.


وأوضح أمين أن الشركات التي تمتلك مخزونات قديمة تتمتع بحماية نسبية من هذه الضغوط، إذ تستطيع طرح منتجات أُنتجت بتكاليف أقل في فترات سابقة، مع الاستفادة في الوقت نفسه من ارتفاع الأسعار العالمية لتعزيز هوامش أرباحها التشغيلية.


وحذر من أن زيادة الطلب العالمي على الطاقة لأغراض التدفئة خلال فصل الشتاء ستزيد ضيق أسواق الطاقة، وتفاقم الضغوط على أسعار الأسمدة، موضحًا أن الغاز الطبيعي لا يُستخدم مجرد مصدر لتشغيل المصانع، بل يمثل مادة خام كيميائية أساسية لا غنى عنها في إنتاج الأمونيا واليوريا.

 

 

https://almanassa.com/en/news/34789